جسور* في حوار حصري مع المرزوقي


 ذ. مستعد إدريس

خرجت من السجن فهل خرج السجن من إحساسك وحياتك؟ 

يصعب على من قضى ثلث عمره في معتقل هو أشبه بقبر ضيق بارد مظلم أن يتحرر من أحاسيس الألم والمرارة التي تعتصر وجدانه اعتصارا كلما استوعب أنه علاوة على ذكريات المعاناة، فإنه حرم من أزهى وأجمل فترة في حياته، ألا وهي فترة الشباب…

تزممارت، بكل جراحاتها النازفة، وأهوالها المرعبة، تعشش فوق شجرة حياتي كغراب مشاكس عنيد أهش عليه ليغرب عن وجهي، لكنه يبقى مصرا على البقاء، غير أني أصم أذني عن نعيبه الممقوت بسماع شدو الطيور وهديل الحمام، وأحول عنه نظري بالتملي في هذا الجمال الأخاذ الذي يزخر به ملكوت الله العظيم…

بالأمس، لما كنت في بداية الشباب، كنت متشائما رغم وضعيتي المتميزة نسبيا، أما اليوم، وبعد أن رأيت ما رأيت، فأنا متفائل كأشد ما يكون التفاؤل، وحامد لنعم الله السابغة حق الحمد، وما ذلك سوى لأني على نقيض غيري ممن يعدون ما ينقصهم ولا يعدون ما هم فيه رافلون، تعلمت من مختبر الموت تزممارت، كيف أقدر النعمة وأشكر واهبها.

 

كيف تأقلمت مع وضعك الجديد (العائلة، الأبناء، الوسط)؟

 

أنتم تعلمون أن رواد الفضاء عندما يرجعون إلى الأرض بعد رحلة تدوم بضعة أيام، يعزلون في مكان هادئ ويخضعون لفحوصات طبية دقيقة  سواء على المستوى الجسماني أو النفسي، وبعد التأكد من سلامتهم، يحاطون علما بكل المستجدات التي طرأت في غيابهم، ثم يظلون تحت المراقبة أربعين يوما، أي ما يطلقون عليه بالفرنسية:  La mise en quarantaine  قبل أن يعاد إدماجهم في الحياة الاجتماعية بكيفية سلسة.

ذلك يجري طبعا في الدول المتقدمة التي تعتبر العنصر البشري أغلى شيء في الوجود.

أما في مجتمعنا نحن، (حيث العنصر البشري عند بعض المسؤولين لا يساوي قطميرا، وحيث بعض المتجبرين الوصوليين يطلقون على شرائح واسعة من المجتمع المغربي مصطلحات مهينة من قبيل: ” كحل الراس” و “خيش بيش” و”لِزانخوخو” و “بوزبال” حاشاكم)، فقد عوملنا قبل الإفراج عنا بقليل معاملة البهائم العجفاء التي يراد التخلص منها بأي ثمن، ذلك أنهم أخضعونا لحصص مكثفة من “التعليف” من أجل ترقيعنا وإعطائنا شيئا من الملامح البشرية…

ولما أرجعونا إلى أهلنا، وعدونا بأنهم سيعالجوننا وسيسوون وضعيتنا بعد مرور شهر من الزمن نكون فيه قد التقطنا أنفاسنا.

غير أن ذلك الوعد ذهب أدراج الرياح، فوجدنا أنفسنا بعد ذلك ونحن عالة على أسرنا، أطفالاـ شيوخا منهوكين ومتخلفين عن مجتمعهم بعقدين من الزمن، فكنا بذلك تسجيدا ناطقا لأصحاب الكهف في نسخة جديدة تتناسب مع نهاية القرن العشرين…

ففهمنا أنه لا ينبغي التعويل إلا على الله وعلى أنفسنا، ومن هنا بدأنا نقوم بمجهودات جبارة لمحاولة الإندماج في وسطنا الذي وجدناه غريبا علينا، وكانت أول مشكلة صادفناها هي الاستئناس بصورتنا الجديدة المشوهة التي عكستها لنا المرآة بصراحة قاسية…

فبعد أن احتفظنا في ذاكرتنا عن محيانا بصورة الشباب النظر الذي كنا في بداية ربيعه المتألق، طالعتنا المرآة بعيون معمشة خابية، ووجوه صفراء ذابلة مليئة بالبثور والتجاعيد، يتخللها شيب كثيف في اللحية والشارب…

وأنا لا زلت أذكر ذلك الإحساس الغريب الذي كنت أشعر به كلما نادني شاب في الشارع بكلمة: ” آلوليد” أو : “آلحاج”…

كنت أرفض هذه الكلمات في قرارة نفسي بقوة غير معترف بتقدمي في السن. أما صديقي المرحوم عبد الكريم الساعودي الذي توفي قبل سنتين، والذي كان بالمناسبة خفيف الظل، فكان كلما نودي عليه بالحاج، التي تعني في مصطلحنا الشعبي، الرجل المسن، رد على المنادي مغمغما متذمرا:

– الله يجعلك تحج على كلب أعور إن شاء الله…

كان علينا إذن أن نتعارف  مع الشخص الغريب الذي تعكسه لنا المرآة ونستأنس به رويدا رويدا قبل أن نسلم بأنه هو نحن…

كما كان علينا أن نشرع في تعلم المشي من جديد، لأننا طوال السنة الأولى كنا نتمشى بحذر شديد خوفا من الارتطام بالحيطان والأبواب الافتراضية التي كانت لا زالت عالقة في أذهاننا، ثم جاء بعد ذلك تعلم آداب الأكل، إذ كنا نأكل بشراهة وسرعة وكأننا كنا نخاف ألا تتوفر لنا الفرصة ثانية للإستمتاع بذلك الطعام اللذيذ، أما الحديث مع الناس، فكان يشكل بالنسبة لنا مشكلا عويصا، بحيث أننا كنا نتكلم بصوت عال جدا رغم قرب المتحدث معنا، وتلك عادة ورثناها من المعتقل حيث لم يكن التواصل بيننا ممكنا إلا بالصراخ عبر الجدران، وإني لا زلت أذكر أنه في بداية عهدي بالحرية كنت أستغرب لما كنت أحيي أسرتي في الصباح فأراها تقفز هلعا من صوتي…

كما كنا ننسى ونحن نتحادث مع ذوينا أننا لا زلنا نستعمل اللغة التزممارتية الغريبة، فلا نستوعب ذلك إلا عندما كنا نرى الحواجب مقطبة من شدة الاستغراب…

فماذا يمكنكم أن تفهموا إن قلت لكم مثلا:

– الكدرة والمسودي مشاو للآلفا وداو معاهم واحد لمسمنة لوشن…

   بمعنى: سافر المستشاران الملكيان أحمد رضا كديرة وأحمد بن سودة إلى الجزائر حاملين معهما رسالة إلى هواري بومدين…

المهم، هو أننا لا زلنا نعاني إلى اليوم من مخلفات تلك العزلة القاتلة، ولكني أقول بأن الأمور قد عادت نسبيا إلى نصابها.     

 ما وضعية المرزوقي الآن؟ هل أنصفت أم لا زلت مظلوما؟

 وضعيتي من الناحية المادية مزرية على شاكلة جميع أصدقائي.

 فبعد أن عوضونا في سنة 2000 على أسس معايير لم نعرفها إلى اليوم، تريثوا سنة كاملة حتى تيقنوا بأننا صرفنا مجمل القدر المالي الذي أعطونا إياه، ثم حبسوا عنا الخمسة آلاف درهم التي كنا نتقاضاها شهريا كتقاعد مؤقت.

ففي الوقت الذي كنا ننتظر فيه الزيادة في ذلك التقاعد، عمدوا إلى قطعه  بالمرة، ليقطعوا عنا بذلك مصدر الرزق الوحيد الذي كنا نملك, فترتب عن ذلك اضطراب فظيع في حياتنا، مما جعلنا نبيع بعض ما اشتريناه لضمان لقمة العيش لنا ولأبنائنا.

وبعدما استنزفنا كل ما لدينا، سقطنا في خصاص مادي مهول، فلا نحن في عز الشباب كي نهب للبحث عن عمل، ولا نحن نملك دبلومات من شأنها أن تشفع لنا في الحصول على وظيفة ما.

وحتى الاستثناء الوحيد الذي شكلته مع صديقي إدريس اشبرق بمتابعتنا لدروسنا الجامعية وحصولنا على الإجازة في الحقوق والآداب، لم يكن له أي صدى في قلوب المسؤولين الذين حرموا صديقي من التدريس، وحرموني أنا من مزاولة المحاماة.

وإلى حد الساعة، لا زال المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان يعدنا بتسوية منصفة لملفنا, بمعنى، أنه بعد مرور ما يقرب من عقدين من الزمن على إطلاق سراحنا، فإن ملف إدماجنا في المجتمع لا زال معلقا، ولا زال المجلس الموقر يطالعنا كلما التقينا معه بكلمة:

ـ أمهلونا، سنرى ماذا نحن صانعون…

إلى متى سنمهلهم ونحن لن نعيش عمر سيدنا نوح عليه السلام؟ وكيف نمهلهم وقد توفي منا في ظروف أقل ما يقال عنها أنها موغلة في المعاناة، كل من المرحومين: أحمد الرجالي، وعبد الكريم الشاوي، وعبد الكريم الساعودي، وإدريس الدغوغي…

 وفي شهر أبريل المنصرم، توفي المرحوم محمد الرايس، أما أكبر المعتقلين سنا وهو الأخ غاني عاشور، فهو يوجد في حالة احتظار… 

أي ظلم أفحش من هذا الظلم إذا ما اعتبرنا أن جل المعتقلين كان محكوما عليهم بثلاث سنوات سجنا، لكن عوض أن يطلق سراحهم بعد استكمالهم لمدة عقوبتهم، زيدت لهم سبع عشرة سنة ظلما وعدوانا وفي ظروف مأساوية لا يرضاها العدو لعدوه، فقضى قسط منهم نحبه خلالها، بينما خرج القسط الآخر محطما ليقال له بعد ذلك بأنه متع بالعفو الشامل…

اللهم إن كان هذا هو المنطق من عندهم، فدس رؤوسنا في التراب حزنا وأسفا على المنطق…

 

وهذا ليس له سوى تفسير واحد، وهو أن الإرادة السياسية لحل هذه المعضلة غير متوفرة إلى الآن.

والمدهش المحير حقا هو أن الملك صرح بنفسه في خطاب له سنة 2006 بأن التعويض لا يكفي وأنه لا مناص من الإدماج لتسوية هذا الملف تسوية شاملة.

ثم إنه فوق ذلك تكفل شخصيا بابني لما فقد سمعه في حادثة مؤلمة، فأرسل إلى مدينة “بوردو” حيث أجريت له عملية جراحية دقيقة تكللت بالنجاح والحمد لله، فكنت له على ذلك من الشاكرين.

فلا شك إذن أن هنالك جهة خفية تضغط بكل ثقلها لعرقلة كل الحلول…

نحن نقول لها:

من ألطاف الله الخفية أنكم لا تملكون خزائن رحمة الله، فحسبنا الله ونعم الوكيل…  

أنا أعتبر نفسي على غرار جميع أصدقائي مظلوما ظلما عظيما، لكن هذا لا يثبط من عزيمتي أبدا ما دمت أحس بسعادة غامرة وأرى الدنيا وكأنها كلها ملكي، وكيف لا بعد أن عشت ثلث عمري في ستة أمتار مربعة؟

هل توجه خطابا إلى جهة معينة؟

الجهة الوحيدة التي أتوجه إليها بخطابي دائما هو الله سبحانه وتعالى، أما الجهة الظالمة التي تتمادى في غيها وتريد أن ترانا حشرات زاحفة على بطونها، فإني أقول لها:

“قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذن لأمسكتم خشية الإنفاق، وكان الإنسان قتورا” صدق الله العظيم.

بماذا تحلم؟

 أحلم بمغرب جديد تسود فيه الديمقراطية والعدالة وتكافؤ الفرص واحترام حقوق الإنسان…

مغرب لا تهجره أدمغته ولا تنتهب خيراته، ولا يساط فيه مجازوه المعطلون، ولا تهان كرامة بناته،  ولا يلقي فيه شبابه نفسه في عرض البحر طمعا في غد أفضل…

مغرب بدون أمية وبدون رشوة ولا مخدرات…

مغرب لكل المغاربة، لا مغرب لبعض العائلات فقط…

قلت في مقال سابق عنك “إن رفقة المرزوقي تجعلك تنظر أن كل شيء في الحياة نفسي (كيف تفاعلت مع الأحداث في الوقت الذي كان بعضكم الآخر يتألم وهو في السجن)

لما أوصدت خلفنا أبواب جحيم تزممارت، قال لنا الحراس بصدق:

– إن أشدكم قوة وأكثركم صبرا لن يعيش هنا أكثر من ستة أشهر…

وفي حقيقة الأمر، كنا نعتقد ذلك، غير أننا كنا نمني أنفسنا كثيرا من الأماني، معتقدين أن ظروف عيشنا ستتحسن لا محالة، وأن تواجدنا هنالك هو فقط بهدف قضاء عقوبة تأديبية محدودة في الزمن، إذ كان يصعب علينا أن نصدق بأن البشر قد يعامل أخاه البشر بتلك الطريقة الهمجية التي لا يرضى عنها حتى الشيطان نفسه.

 فكنا نقول لأنفسنا بهدف الرفع من معنوياتنا:

 نحن في بلد مسلم يقرأ فيه القرآن ويرتفع الآذان من صوامع مساجده خمس مرات كل يوم، فيستحيل استحالة مطلقة أن ندفن أحياء بدون أن يحرك أحد ساكنا.

ولكن في سنة 1979 عندما سقط أول شهيد في عنبرنا، ثم علمنا أن ستة إخوة لنا استشهدوا في العنبر الثاني، قطعنا الشك باليقين، ورفعت الغشاوة عن أعيننا، وأدركنا أن مصيرنا هو الموت بالتقسيط…

هنا، انقسمنا دون أن ندري إلى قسمين، قسم استوعب الموقف وتحفز لمجابهته بكل ما لدية من إرادة وطاقات، وقسم صدم صدمة عنيفة     

أصيب بعدها بالوهن والخبال، فانطفأ في ليل تزممارت كما تنطفئ الشمعة في ليلة عاصفة ظلماء.

لقد كنت أنا ضمن القسم الأول، ومن هنا صرت أبحث عن طاقة أتزود بها كل يوم لكي أشحذ عزيمتي وأطرد شبح الموت الذي كان يجثم قبالتي كل يوم ككلب مسعور مكشر الأنياب…

 ولما حولت بصري إلى ذاتي وغصت في أعماق نفسي منقبا، دهشت  وأنا أعثر على معدن ضخم من الإرادة لم أكن لأعثر عليه أبدا لولا تلك المحنة الشديدة.

وهكذا فتحت مع نفسي صفحة جديدة، وتشبثت بالله أيما تشبث مرددا بيني وبين نفسي في كل مرة الآية الكريمة:

– أينما تكونوا يدركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة.

ومن هنا بدأت أتعاطى دون علم مني إلى ما يسمى بالفرنسية:

L’autosuggestion                

أي أني بدأت أحدث نفسي كثيرا وأحثها على الصمود والتحدي، لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.

فتجربتي المتواضعة تجعلني أقول بأن السعادة والشقاء هما أمران يتوجدان في ذهن كل بشر، وأن السبيل إلى السعادة يمر عبر الإيمان بالله والقناعة بالموجود مع العمل على تحسين ظروف العيش، أما السبيل إلى الشقاء، فهو الإقبال كليا على الدنيا وجعل النفس هي محور العالم.

ويمكنكم أن تقارنوا بين الفلاح الذي يعيش سعيدا في تعاسته والثري الذي يعيش شقيا في سعادته…

أرجو ألا أكون قد سقطت في إعطاء دروس أنا أولى بتلقيها… 

 

to be continued

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مؤشرات التراجع الحقوقي والتضييق السياسي بالمغرب

صلاح الأمة في علو الهمة