,

فيلم “المغضوب عليهم”، و صراع الفن بالإرهاب في عالم اللاموجود

 فيلم المغضوب عليهم لمحسن بلبصري أو بعنوان آخر “انتصار الفن على الإرهاب” فيلم انتج أواخر سنة 2011 و لم تكتب له الإطلالة على الجمهور السينمائي المغربي القليل عبر الشاشات الكبير القليلة بدورها و التي لا يتجاوز عددها الثلاثين عبر ربوع المغرب إلا بداية شهر مارس 2013، بأسباب حصرها المخرج في سعيه لنيل اكبر عدد من الجوائز في المهرجانات السينمائية الدولية و العربية و حتى الوطنية، و هو ما كان له.

قصة الفيلم السينمائي المغضوب عليهم، و حسب المخرج  ليست مقتبسة عن قصة حقيقية، بل هي فكرة عابرة في مخيلته حول ماهية الصراع البعيد الدائر بين الطبقة الفنية و فهمها للفن كفن و الطبقة “المؤمنة” أو السلفية الجهادية كما فضل تصنيفها بلبصري و تجريمها للفن إجمالا باعتباره فعلا مخرجا من ملة المسلمين.

أول ما يثير في مضمون الفيلم العنوان “الإسلامي” الذي اختاره المخرج كتعبير عن المضمون، “المغضوب عليهم” و هو الجزء الأول من الآية الأخيرة في سورة الفاتحة من القرآن الكريم، و التي اتفق علماء تفسير القرآن الكريم على انها تعني الطائفة اليهودية التي عرفت الحق و أعرضت عنه تعنتا منها في اختيار طريق الشرور، و رغم أن الفيلم بمجمله لم ترد فيه كلمة المغضوب عليهم لا من طرف الأسرى و لا من طرف الآسرين، و هو السؤال الذي يطرح نفسه و بشدة حول السبب الذي جعل المخرج يسميهم بهذا المسمى و لم يسمهم مثلا بتسمية الجزء الثاني من الآية الكريمة “الضالين” و التي تعتبر أقل حدة في معناها و التي يقصد بها كل ضال عن طريق الحق من الأطياف و الملل و النحل التي لا تعرف الحق و لكنها لا تصل لدرجة الغضب الإلهي، رغم أن كلا الطائفتين كفار كما وصفهم زعيم “الخلية” “كلكم ماشي مسلمين”.

الفيلم يبدأ بتوجه فرقة مسرحية من الهواة لتقديم عرضها المسرحي الذي تعبت في تحضيره لما يزيد عن السنتين بوسائل بسيطة من أجل الفن و فقط، و هي الرحلة التي حاول بها المخرج شرح استراتيجية الفن المتسامحة و التي تتميز بالتسامح و الإيثار مع جميع الأصناف بما فيها أصناف “الجهاديين” الذين يختبئون وراء “المسكنة” و “الدروشة” لإحكام قبضتهم على “الكفار”، حيث ان المشكل الذي ستقع فيه الفرقة أساسه محاولة تقديم المساعدة لمحتاجيها في مكان ناء، و هو المشهد الوحيد تقريبا الذي صور في مكان مفتوح.

ينتقل بعدها الفيلم للتصوير المغلق أو ما يصطلح عليه بالـ huit closو هي الطريقة التي لم يحبذها نقاد سينمائيون للفيلم واصفين الفيلم بقطعة مسرحية مصورة، لكن مجرد نظرة معمقة لاختيار المخرج الذي نفى فيه أن يكون بسبب ضعف الإمكانيات، يظهر انها رسالة مشفرة “متحاملة” على الجماعات الجهادية مفادها أن الانغلاق و الظلام أفضل مكان لهم و خلاصة تفكيرهم الفارغ إلا من قليل من الحوار الغير المتبادل و احترام أذواق المخالفين، و هي الرؤية التي فقد فيها المخرج حياده اتجاه الطرفين لصالح “أصحاب الفن المساكين”.

اختيار الشخوص المجسدة لأطوار الفيلم كان شيئا ما غير متوافق خصوصا عند الطائفة الجهادية حيث يظهر أن الجماعة ارتجالية فقط و تعمل دون تنظيم و دون برمجة و بمعلومات شبه ضعيفة عن عملها، أفرادها لا يعرفون بعضهم البعض بالشكل الكافي بل و لا يعرفون حتى أميرهم الذي انقطع بهم اتصاله عن طريق “مصطفى” نائب الأمير المفترض، تدينهم ضعيف بل و يكاد يكون منعدما لا من خلال كلامهم و لا من خلال قيامهم بالفروض الأساسية في الدين من صلاة و قراءة القرآن، ناهيك عن هيأتهم البعيدة كل البعد عن تفاصيل السلفيين حيث أن لحاهم العبثية ، و لباسهم الحداثي الرياضي الذي لا يمثل أي علاقة له بتوجههم، باستثناء بعض الامور التي قام  بها “عمر” من  حلق شاربه و وضع قبعة القلنسوة فوق رأسه بين الفينة و الأخرى.

أما عن الفرقة المسرحية فقد استطاع افرادها تجسيد ما أوكل إليهم من مهام تجسيدية حيث ابدعوا في تمثيل دور الضحية التي لا حيلة لها و لا مخرج من مأزقها سوى لسانها و حوارها و هو المخرج الذي لا يؤمن به أفراد الجماعة المتسامحين أحيانا بعض الشيء عندما يتعلق الأمر بتوفير شروط الحياة من مأكل و قضاء للحاجة إلى حين حلول ساعة الجهاد فيهم، قبل أن يستطيع أفراد الفرقة من خلال تضحيتهم و إيثارهم و بمساعدة “شكيب الفنان السياسي” من تأجيل لحظة الحسم في أرواحهم بسبب اقناعه للزعيم مصطفى بتأجيل العملية المقررة سلفا دون أمر الأمير، لتقديم عرضهم المسرحي الذي كان بمثابة ايقاظ الحس الفني الغابر وسط غياهب احساس الزعيم و كذا اقناعه بأنهم ليسوا كبش فداء مقابل إخوانهم الذين ظلمهم “السيستيم”.

عرض ما قبل الرحيل أو عرض الختام كان إذا المخرج الوحيد من ورطة الاحتجاز رغم أن المخرج لم يقدم توضيحا للسياسة التي اتبعتها الفرقة ليكون عرضا نهائيا لإرهابهم من طرف المسلحين، لكنه كان كذلك و استطاع ان يزرع الشقاق بين الخلية الارهابية في قناعاتهم ليقرر  “الزماكري” (الجهادي المهاجر) تصفية “عمر” الذي  استسلم لجمالية القطعة المسرحية و أغنية ناس الغيوان التي هيجته و جعلته يتراقص بلا شعور وسط ذهول الفرقة.

نهاية الفيلم كانت مأساوية للخلية المسلحة التي فقدت عمر صديق الزعيم مصطفى برمية رصاص من مسدس “الزماكري” الذي قتل نفسه في ظروف غامضة و غريبة لم يفصح عنها الفيلم أيضا، خصوصا و أن اعتقاد الجهاديين في قتل النفس محرم قطعا أما قتل الكفار و مؤيديهم فحلال يؤدي للجنة.

الزعيم مصطفى غادر مكان الاحتجاز تاركا الفرقة و حال شأنها دون ان يطبق حد القصاص كما جاء ببيانه الذي تلاه عليهم، وسط حسرته على فقدانه لأصدقائه، كم هائل إذن من علامات الاستفهام و التعجب عن الرسالة التي أراد المخرج إيصالها للمشاهد من انتصار الفن دائما على جميع انواع الإرهاب، سواء أكان إرهاب حوار أو إرهاب قبول الآخر بقناعاته، لكنها وصلت و فهمت في العمق الداخلي للمعنيين بالقضاء على الإرهاب حتى و إن كان شيئا بعيدا عن الحقيقة.
حميش المهدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *