,

موت المعنى في الخطاب السياسي لمغرب اليوم

                     

   يمكن اعتبار زمن الحراك الاجتماعي الذي شهدته جملة من الدول العربية ،والذي اصطلح عليه بالربيع العربي ،الذي نبتت نبتته الاولى من معقل البوعزيزي بتونس الذي قدم حياته ثمنا لاسترداد الكرامة التي استلبت عسافا من ملايين الناطقين بلغة الضاد، ليزحف بعدها الربيع إلى الدول المجاورة و البعيدة ،مزعزعا كيان أنظمة آمنت بالخلود على اقتعاد الكراسي السياسية متغافلين الجماهير الحالمة بمستقبل زاهر،أنظمة حكمت بالنار و الحديد تارة ،و بالمكر والدهاء السياسي تارة أخرى،و النتيجة تراوحت بين  الإعدام ،و العزل والسجن لرموز الانظمة التي اعتبرت مذنبة، و الدفع بأخرى إلى الاسراع صوب التلاعب بأوراق البيت الداخلي لصناعة القرار ،من قبيل إحداث تعديلات صورية و تمويهية على الدساتير ،كما أتيحت الفرصة لصعود أحزاب اسلاموية  إلى الحكم ،ما كانت لتقتعد الكراسي لولا قوة الربيع الذي زحف طويلا ،فأربك حسابات صناع القرار ،و لعل حزب العدالة و التنمية المغربي لواحد من تلك الأحزاب المتبنية للخطاب السياسي في بعده الديني ،و الذي سعى طويلا وراء تحصيل نصيبه من كعكة صناعة القرار مستندا في ذلك الخطاب العاطفي الذي يتسلل بدماثة إلى مشاعر المعوزين و المفقرين ،و كذا الوعود السياسية الزائفة،من قبيل احداث المساواة و العدالة الاجتماعية ،و التنمية الاقتصادية التي أقام أسسها عمر بن الخطاب،فإلى أي حد استجاب خطاب الحكومة الحالية لمتطلبات الشعب المغربي المجيد؟
   إن البحث في الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية التي يعيشها الشعب المغربي كشف عن موت فعلي في معنى الخطاب السياسي بالمغرب الراهن ،إذ أثبتت جملة من الدراسات أن الوضع الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي الهش أنه سيقود لا محالة إلى انفجار حراك اجتماعي جديد بمغرب الحقوق و الحريات ،و هذا طبيعي جدا بحكم ازدواجية الخطاب السياسي بالمغرب الراهن ، و القائم على تقديم جملة من الوعود الرومانسية ،من قبيل إحداث اصلاحات جذرية ،و محاربة الفساد السياسي الذي ينخر المنظومة السياسية منذ عقود من الزمن ،اضافة إلى اعطاء الاولوية إلى تنمية احوال الطبقات المعوزة و المسحوقة ،خاصة فيما يتعلق بوضعهم الصحي و التعليمي و الاقتصادي،و ضمان الحريات العامة و حق التظاهر السلمي و استقلالية القضاء …
   بالرجوع إلى مفهوم السياسة ،فقد تم تعريفها بكونها فن تدبير شؤون العامة في مختلف مجالات الحياة،كما اعتبرها جملة من الفلاسفة علما قائما بذاته له موضوعه و منهجه و غاياته غير أن الأنانية المتجدرة في الانسان قد حرفت السياسة عن أهدافها و غاياتها النبيلة ،المتمثلة في رفع جميع مظاهر الفوضى و التوحش،بل أصبح الذين يمتهنوها كحرفة يخيطونها على المقاسات التي تتماشى وفق خدمة مصالحهم الذاتية ،الشيء الذي دفع البعض إلى تعريفها بكونها " فن ممارسة الدهاء و المكر"،و هذا طبيعي ما دامت تحمل في طياتها لأوجه التناقض ،إذ هي من جهة تسعى إلى خدمة الجميع ،لكنها من جهة ثانية قد تنقلب لكي تصير ضارة بهم وذلك في الوقت الذي يتم تسييرها لخدمة مآرب فئة دون أخرى ،كما أشار"ج. فرود"J.FREUD   في كتابه ما هي السياسة. و الجدير بالذكر أن الحكومة الحالية انتهجت نفس النهج في تسييرها للشأن العام للشعب المغربي عن طريق الخطاب الأجوف الذي لم يستطع حتى الحفاظ على مكتسبات الجماهير الشعبية التي حصلتها من خلال نضالها المضني و كفاحها المستميت أمام مخططات حكومات ما قبل الربيع العربي ،و يتمثل ذلك في التراجع الكبير على مستوى جميع القطاعات الحيوية،و خاصة على المستويات التالية:
1 – المستوى الاجتماعي  و يتمثل التراجع السابق الذكر في تفشي و تفاقم نسبة البطالة بين صفوف الطلبة خريجي الجامعات و مراكز التكوين المهني ، و تقلص عدد المناصب بقطاع الوظيفة العمومية ،و الدفع بمخطط ضرب مجانية التعليم و التمريض ،و كذا الزيادات المهولة في أسعار مواد التغذية و المحروقات …
2– المستوى الاقتصادي : العجز الكبير الذي شهدته الميزانية العامة و صندوق المقاصة.
3 – المستوى السياسي:التضييق من حيز الحريات العامة، و تضييق الخناق على ممارسة حق التظاهر السلمي ،الذي طال مختلف الشرائح المطالبة بحقوقها الشرعية و المشروعة ،من قبيل قمع الطلبة و اعتقالهم و التنكيل بهم على خلفية بعض الأحداث ،لكن الامر لم يتوقف عند هذا الحد بل تجاوزه إلى قمع مربو الأجيال ،من معلمين وأساتذة، و قضاة و هلم جرا…
   ختاما يمكن القول أن الدراسات الاستراتيجية التي أقيمت حول المغرب،تتضمن في طياتها جانبا كبير ا من المعقولية، إذ أنه مع تفاقم الوضع لابد و أن يولد الحراك الاجتماعي ،و بالتالي سيتم تجاوز قول نيقولا ميكيافيلي في كتابه الأمير:"السيطرة على الأمور في الممالك الجديدة تختلف تبعا لقدرات من يستولي عليها"،لأن الاستيلاء على السلطة من طرف حزب يتبنى الدين كإيديولوجية في تسييره للشأن العام للشعب يجب عليه أن يحترم المرجعية التي يتبناها و أن لا يجعل منها افيونا للشعب لتجاوز هجمة الجماهير المتطلعة لغد أفضل.
ميلود العلواني:
  باحث في الفلسفة والاجتماع.    
   

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *