,

بورتريه عالم الاجتماع المغربي الدكتور عبد الرحيم العطري

   هو عالم الاجتماع الرحالة المغوار بين دروب الاجتماع و الإناسة ،رائد السوسيولوجيا القروية ،الوريث الشرعي للدرس الباسكوني – الجسوسي،الباحث الجاد عن المعنى في زمن غاب فيه المعنى،إنه مؤرق القلم ،معذب الورق بنقشه المعان بحروف المعدن الثمين،مفجر السؤال العريض و الشقي،محرك القضايا السوسيولوجية الآسنة، و المنقب القوي في ثنايا الطابوهاتية داخل مجتمع مركب يتأرجح بين السعي الحثيث وراء الانفلات من قيود البنية التقليدية تارة ،و الحفاظ على الموروث تارة أخرى،إنه الخبير السوسيولوجي بالسليقة ،المتخذ من المكتبة مزارا و الكتاب خير أنيس و جليس،إنه الدارس لتورين و بورديو و باسكون ،فهو خريج المدرسة الجسوسية، بكلية المعنى محمد الخامس –الرباط العاصمة، الذي غار على وسائل الاعلام المسموعة و المرئية ،فهو الضيف صاحب الدار المحبوب في “برنامج بدون حرج”على قناة(مي دي 1 تي في)،و “برنامج تحت الصفر”على أمواج إذاعة (ام اف ام).
إنه الدكتور عبد الرحيم العطري الذي كرس قلمه لتدوين المعنى المختزن بالمغرب القروي ،فهو الذي قال في حقه عالم الاجتماع المغربي الخبير في قضايا التربية و الثقافة و التنمية الدكتور المقتدر مصطفى محسن خلال تقديمه للمولود المعنون ب (تحولات المغرب القروي):”مناسبة هذا الحديث هي أننا ارتأينا أن نستهل به تقديمنا لكتاب السوسيولوجي المغربي الواعد عبد الرحيم العطري ،و هو مصنف يضم مجموعة دراسات ذات جوانب و ابعاد نظرية تحليلية و تطبيقية معا،عالج فيها الباحث/ المؤلف من منظور علم الاجتماع،بعض قضايا و مكونات “المجتمع القروي” و ذلك مثل:الأشكال العقارية و المخزن و الجماعة و الأعيان و العائلة و الهجرة،و المجتمع الفلاحي…،مستنجدا في المقاربة و التفسير و التأويل و جمع البيانات الكمية و النوعية ،بمرجعيات نظرية و منهجية و بتقنيات و أدوات بحث متعددة ،و لم يكتف المؤلف في البحث و التحليل و الاستنتاج ،بمجرد عرض معلوماتي للمعطيات و الأرقام و المضامين بل اجتهد في تقديمها عبر منظور نقدي…”.
ان هذه الشهادة القيمة من قبل منارة سوسيولوجية لدليل قطعي عن مهارة الرجل العالم،الانسان ،الأستاذ و المربي، في اعتصار المعنى و اخراجه إلى المتلقي بطرائق بهية و رقيقة ناطقة بلغة العصر ،و هذا أمر من البداهة لا لشيء إلا لموسوعية الرجل العابرة لمختلف القارات المعرفية ،فهو القاص،و الكاتب الصحفي ،و الأستاذ المدرس للشقاء بعاصمة العلم – فاس المجيدة – جامعة محمد بن عبد الله، قبلها معقل ابن طفيل ،كلية الآداب و العلوم الإنسانية – القنيطرة – ،التي تلقيت فيها الدرس السوسيولوجي على يديه مقتنصا منه حبة فهم وتجاوزت بمعية باقي طلابه السياسة التضبيعية التي تنتهجها أطراف لا معدودة، و بالتالي فالرجل يستحق لقب دينامو السوسيولوجيا الراهنة ،و ذلك لانشغالاته اللامتناهية، و المتمثلة في عضويته داخل معقل المجلس الاداري للجمعية المغربية لعلم الاجتماع،و اتحاد كتاب المغرب،كما لم يفوت فرصة الانخراط الفعلي في فضاءات العالم الافتراضي ،إذ أنه عضو كذلك في اتحاد كتاب الانترنيت العرب ،و ذلك لنشر ما يفيض به قلمه من تحاليل اكلينيكية لظواهر سوسيولوجية ،كما يعتبر عضوا فعالا داخل المنظمة الشقية،كتاب بلا حدود،و عضو هيئة تحرير المجلة العابرة لتراب المغرب ،و التي تختص بتناول مختلف القضايا الشائكة بمغرب المتناقضات،مجلة وجهة نظر،كما يشغل عضوية هيئة تحرير مجلة فكر،و كاتب رأي باحث عن المعنى بأسبوعية الشروق المغربية.
الدكتور عبد الرحيم العطري ،الأب و الصديق لأحمد نسيم و ملاك، و له مواليد من نوع آخر كثيرة و قيمة تختزن بين صفحاتها جزالة اللفظ و المعنى الكافي لتنوير الأذهان و غرس تيمة الانهجاس بقضايا المغرب و خاصة فيما تعلق بالشق القروي منه، بحكم أن الرجل انهجس بالبحث في تفاصيل التفاصيل،بداية من ملكية الأرض ،مرورا بمؤسسة المخزن ،فمؤسسة اجماعة ،ثم الأعيان و العائلة ،وكذا التحولات و الهجرة بذات “العالم” أي القروي، و من ضمن هذه المواليد نجد:”كتاب دفاعا عن السوسيولوجيا” الذي أخرج إلى الوجود مع مطلع العام 2000 ،و الذي يتضح من خلاله الحب العذري الذي يكنه أستاذنا لمدرسة الشقاء و غيرته الزائدة عليها، و دفاعه المستميت عنها بقوة كافية لمجابهة الذين يسعون إلى تضييق الخناق على السوسيولوجيا سالفا و الآن ظلما وعسافا، ظنا منهم أنها تنجب العاق من البنين، و بعد مضي خمس سنوات من البحث و التقصي العميقين حول ما يختزنه الواقع و الزمان للشباب اعتصر منه مؤلفا جديدا أسماه “سوسيولوجيا الشباب المغربي”،و مع مطلع العام 2005 خطت يداه المتمرستان كتابا جديدا رقن عليه عنوان”المؤسسة العقابية بالمغرب”،و في سنة 2006 تمت طباعة و نشر مؤلف “صناعة النخبة بالمغرب”،و في ذات العام،أخرج إلى الوجود المجموعة القصصية “الليل العاري،قصص من أجل ياسمين و الذي تمسك فيها بمقومات المتفحص بالعين السوسيولوجية لوقائع اليومي العسير،و ما يختزنه الليل الطويل من تناقض.
و في العام 2008 ،تمت طباعة و نشر مؤلفا جديدا يعالج قضية الحراك الاجتماعي تحت عنوان”الحركات الاحتجاجية بالمغرب”،و هو من ضمن المراجع الهامة المحللة لواقع الظاهرة الاحتجاجية بمغرب “الحريات و حقوق الانسان ” لكنه لم يتوقف عند هذا الحد بل أخرج القارة السابعة في نفس العام،و نظرا لانشغال الرجل بهاجس ثقافة الاعتراف و الاحتفاء بالأنا الآخر الحي ،و ضدا منه على الثقافة النقيض أي الاحتفاء بالشخص بعد المراسيم الجنائزية ،فإنه خط مؤلفا يحتفي و يعرف من خلاله بثلة من آل السوسيولوجيا المغربية،من قبيل الدكتور الميت الحي، السي محمد جسوس،و الدكاترة المحترمين (مصطفى محسن ادريس بنسعيد،المختار الهراس،عبد الكبير الخطيبي ،عبد الجليل حليم، ،رحمة بورقية، فاطمة المرنيسي، ،أحمد شراك…الخ).
و هو الكتاب الذي قدم له الدكتور شراك القائل في حقه:”إنها بورتريهات تتجاوز التصوير بالكلمات،إلى الحفر في الخطابات انطلاقا من ثقافتين متداخلتين،ثقافة التتبع و المعرفة، وثقافة الاعتراف لترسم في النهاية الحدود الجغرافية الوارفة للتدخل السوسيولوجي ،الذي يشكل مساحة سبوعية في المشهد العلمي و الثقافي بالمغرب هنا والآن”.
وفي سنة 2009 أخرج إلى السوق العلمية كتابه القيم “تحولات المغرب القروي”،الذي ضمنه المعنى من خلال استخدامه لآلة  التصوير السوسيولوجية راصدا التحولات التي شهدها المغرب القروي،مدققا في تفاصيل التفاصيل،و في ذات السياق دائما و أبدا ،فقد اختار أستاذنا الرجوع إلى الأصل من خلال مصنفه “الرحامنة:القبيلة بين الزاوية و المخزن،كما أن الرغبة الجامحة لأستاذنا في اكتشاف أغوار السوسيو أنثروبولوجيا القرية فإنه عالج إحدى القضايا المتجدرة في المتخيل القروي،إنها قضية البركة المبتغاة من السلف الصالح أو الأولياء،من خلال كتابه الجديد”بركة ألأولياء(بحث في المقدس الضرائحي).و الذي قدمه مؤخرا بالمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء – المغرب.
في مختتم مستهل القول لا يسعنا إلا الإشادة بجهود دينامو و هرم السوسيولوجيا المغربية الدكتور عبد الرحيم العطري ،الذي أفاض قلمه بحبر كله معان من الذهب الخالص،خلال معالجته للقضايا السوسيو أنثروبولوجية،من داخل مجتمعنا المركب، و لعل اقتناصه جائزة المغرب للكتاب دورة 2013، صنف العلوم الاجتماعية إلى جانب الدكتور أحمد شراك لخير دليل على كل ما سبق ذكره ،و إن كنت مقصرا في حقه،بحكم ما يمتاز به الرجل من فضيلة و إنسانية ،فهو الأستاذ ،الانسان،المؤطر،المرشد و المربي الذي يعصف بذهن الطالب من خلال تساؤلاته الشقية و المقلقة،التي تدفع المتلقي  إلى ضرورة إعادة طرح السؤال لإنتاج ضرب من المعنى في ظل زمان غياب المعنى،و الوصول إلى “درس الدرس”كما يقول دائما،و في المنتهى نقول أن السوسيولوجيا في حاجة ملحة إلى أمثال هذا الرجل القائل:”ليس أمام السوسيولوجيا إذا،و حفاظا على مكانتها المعرفية و مشروعيتها العلمية خصوصا في المجتمع المغربي، إلا أن تتساءل وتسائل المسكوت عنه،لتمارس “الفضيحة”،مع سبق الاصرار و الترصد،إنه الرهان السوسيولوجي في هذا الآن المتغير،لتأسيس فعل سوسيولوجي،ملتزم لا يعرف التواطؤ و لا التلاعب.
في الأخير،و بغاية التكريس لثقافة الاعتراف و الاحتفاء بالإنسان المنتج للمعنى قيد الحياة لا بعد رحيله إلى اللامتناه،نقدم هذه المساهمة البسيطة لشخص أستاذنا و مربينا على ثقافة الاعتراف و الاحتفاء، الدكتور عبد الرحيم العطري و كلنا أمل أن نكون قد أصبنا الهدف  وكلنا رغبة في أن يتقبلها،فهنيئا لنا بهذا العطري الجسوسي- الباسكوني ،و دام لحقل السوسيولوجيا باحثا منتجا لمعنى المعنى دائما و أبدا.
ميلود العلواني/ باحث في الفلسفة و علم الاجتماع

One Comment

Leave a Reply
  1. derbo 3lih swart rbah hada rah 3alim 3ala wazn fa3il lakin li awal mra la yakon fiha alfa3ilo marfo3an fahowa makhfod onifo flard

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *