,

سكيزوفرينيا حكومة بنكيران

   لقد شكل الربيع العربي منعطفا حساسا في حقل السياسة العربية عموما،و يتمثل ذلك في الاطاحة بمجموعة من رموز الأنظمة التي عمرت طويلا في سدة الحكم بالجمر و الحديد،كما ساهم في تنحية الحكومات الخادمة لتلك الانظمة،مما أدى إلى اعتلاء رواد التوجه “الإسلامي” كراسي الحكم،بداية من تونس و مصر و ليبيا و المغرب،هذا الأخير الذي تمكن فيه الأمين العام لحزب العدالة و التنمية عبد الاله بنكيران من السيطرة على منصب رئيس الحكومة بعد مخاض عسير ووعود عسلية لأبناء الشعب المغربي من قبيل إفشاء السلم و السلام الاجتماعيين،و الانصاف و المصالحة،و كذا توفير أكبر  حيز من الحرية و المساواة  و الكرامة و العدالة الاجتماعية…لكن السؤال الذي حتم علينا اثارته هو هل التزم الرجل بوعوده لأبناء الشعب المغربي المجيد؟

تأسس حزب العدالة و التنمية سنة 1967 بقيادة عبد الكريم الخطيب بعد انشقاق داخل حزب الحركة الشعبية،باعتباره “حزب سياسي وطني يسعى انطلاقا من المرجعية الإسلامية وفي إطار الملكية الدستورية القائمة على إمارة المؤمنين، إلى الإسهام في بناء مغرب حديث وديمقراطي، ومزدهر ومتكافل، مغرب معتز بأصالته التاريخية ومسهم إيجابيا في مسيرة الحضارة الإنسانية”،و بعد مخاض عسير و قلاقل داخلية تمكن من المشاركة في الانتخابات التشريعية لسنة 1997 حصل من خلالها على 9 مقاعد أغلبها من العاصمة الاقتصادية (الدار البيضاء).كما حصل على 5 مقاعد اضافية من خلال إعادة بعض الدوائر للعملية الاقتراعية و كذا  التحاق عضوين من أعضاء المجلس بفريقه، جعل عدد فريقه يصل إلى 14 مقعدا في مجلس النواب ،و  بمقعد واحد في مجلس المستشارين.

وفي سنة 2002 شارك الحزب في الانتخابات التشريعية حيث تمكن خلالها من الحصول على 42 مقعدا،متصدرا المرتبة الثالثة بعد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية و الحزب الشائخ،حزب الاستقلال،مما مكنه من احتلال موقع المعارضة بالمغرب،و بعد زحف الربيع العربي الذي أربك حسابات الأنظمة العربية الحاكمة ،و كمحاولة تمويهية فقد حصل حزب العدالة و التنمية المغربي على الرتبة الأولى من خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2011 و بالتالي تم تشكيل الحكومة المغربية “الاسلامية”الأولى سنة 2012 و هي الحكومة التنفيذية الثلاثون منذ استقلال المملكة المغربية سنة (1956) بزعامة بنكيران. و هنا وجب علينا التساؤل كذلك عن مدى تطبيق هذه الحكومة للوعود التي قدمتها للشعب المغربي، و مدى استجابتها لمتطلبات الشباب المغربي الطموح و الحالم بغد أفضل؟

إن التيمة الأساسية التي وسمت جل الأوساط المغربية منذ اقتعاد حكومة 2012 كرسي صناعة القرار هي التذمر من مخططات الحكومة بداية من الخطاب السياسي الشعبوي،”العفاريت و التماسيح” مرورا بعدم الاستجابة لمتطلبات الشعب المغربي الطموح،الذي علق كل آماله و انتظاراته على حكومة عبد الاله بنكيران، بيد أن هذه الأخيرة تراجعت عن مختلف الوعود، ما عدا بعض الاصلاحات الشكلية التي سلطتها على بعض الميادين من قبيل ترميم بعض الطرق و الحدائق القريبة من مساكن صناع القرار بالبلد الحبيب،و في المقابل تم الحرص على تضييق الخناق على المواطن من كافة الجوانب،و خاصة فيما تعلق بارتفاع الأسعار والمتمثل في الزيادة الملموسة في أثمنه المواد الغذائية الرئيسية ،و المحروقات،و تذاكر السفر البرية و البحرية و الجوية ،و مضاعفة أثمنة المستلزمات الفلاحية، من قبيل السماد و المبيدات و  البذور المختارة.هذا من جانب ،و من جانب آخر فإن التضييق طال بعض الثوابت الانسانية و المتمثلة في تدهور الحالة الصحية و الاجتماعية بشكل عام ،بداية من التعليم الذي يعتبر بمثابة الركيزة الأساس التي تنبني عليها المجتمعات،إذ تعرض هذا القطاع إلى هجمة شرسة بداية من تقليص الميزانية المخصصة له مرورا بإفراغه التام من محتواه، و لعل تصنيف اليونسكو للمغرب إلى جانب موريتانيا والهند وباكستان و17 دولة إفريقية جنوب الصحراء من حيث جودة التعليم لخير دليل على ما تناولناه، بالإضافة إلى الحد من الحريات بداية من قمع الحركات التلاميذية و الطلابية و الأستاذية ،فبالنسبة للأولى تم قمع تلاميذ و تلميذات الثانويات جراء حراكهم الاجتماعي ضدا على ما يعرف ببرنامج مسار،أما الثانية فتمثلث في الهجمات المتتالية على الحركة الطلابية من داخل الجامعات التي ينشط بها اليسار الجدري من قبيل كلية الآداب ظهر المهراز بفاس حيث تعرضت لاقتحامات متتالية من طرف “قوات الأمن” آخرها كان ليلة الخميس،مستعملة في ذلك القنابل المسيلة للدموع و الهراوات…و في ذات السياق فقد تعرضت باقي الكليات الأخرى إلى العسكرة الرهيبة و الحذر العملي من قبيل جامعة القاضي عياض بمراكش و جامعة عبد المالك السعدي بتطوان،كما نالت جامعة ابن طفيل نصيبا أكبر من الهجمة الشرسة إذ تم وضعها تحت الحراسة المستمرة من قبل “القوات الأمنية” “السيمي و القوات المساعدة” من أجل التضييق على الطلبة المجازون المطالبون بحق التسجيل بأسلاك الماستر،وبغاية التذكير فقد اعتصم هؤلاء الطلبة لمدة تفوق خمسة أشهر أمام  الصمت الرهيب الذي تتعاطاه رئاسة الجامعة،و الذي تكلل باقتحام للجامعة أدى إلى اعتقال خمس طلبة على خلفية ملفات ملفقة و محاكمات صورية قضت بثمان أشهر نافذة و غرامة مالية قدرها ألف درهم لكل واحد منهم على حد تعبير مجموعة من الطلبة و دفاع المتهمين.

أما فيما يتعلق بالحركات الاجتماعية الأستاذية فلأول مرة يتعرض مربو الأجيال لهجمة من هذا القبيل إذ أصبحوا أهدافا لهراوات “القوات المساعدة و السيمي” أمام قبة البرلمان ووزارة التعليم العالي و تكوين الأطر والبحث العلمي .
و المقطع الشيق في مسلسل القمع و تغييب الحريات في ظل حكومة بنكيران هو القمع الذي طال رجال القضاء،أي رجال المؤسسة التي يجدر بها الاستقلالية التامة و الانصياع للضمير المهني فقط.
كما انه تم تسجيل تقليص عدد المناصب الحكومية في مختلف القطاعات العمومية، الطب و التعليم…،و في المقابل تم تعزيز صفوف مناصب وزارة الداخلية و المؤسسات التابعة لها.

ختاما لا يسعنا إلا القول أن حكومة 2012 أو حكومة بنكيران تعيش فصاما حادا و يتمثل ذلك في الانشقاق الواضح بين الخطاب و الممارسة و الذي يمكن تلخيصه في عدد كبير من المتناقضات التي وسمت التاريخ غير المديد لتولي هذه الحكومة صناعة القرار بهذا الوطن المجيد،و من هذا المنبر يجدر بنا التذكير بأنه لا زال هناك من الوقت لمصالحة أبناء الشعب المغربي الذي خاب ظنه بهذه الحكومة التي لم يتبقى في عمرها إلا بعض الأشهر المعدودة،فهل يمكن لهذه الحكومة التخلص من سكيزوفرينيتها الحادة و التصالح مع ذاتها و مع كافة أبناء الشعب المغربي البطل؟.

**باحث في الفلسفة و الاجتماع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *