, ,

سيكولوجية الطالب المغربي المهدور

   يعتبر المغرب من ضمن البلدان النامية أو السائرة في طريق النمو كما يقال،نظرا لتوفر ثرواته الطبيعية المختلفة وتعدد وتنوع نطاقاته الجغرافية والمناخية ومناظره الطبيعية الخلابة وموارده البشرية الشابة التي لا تقدر بثمن،إلا ان كل ذلك وذاك لم يستغل بالشكل المطلوب الشيء الذي خلف لنا مشروع تنموي معطوب لم يكتمل بعد.إذن ما الجهات المسئولة عن الإعطاب التنموية ببلاد ألمغرب وما الميكانيزمات التي يمكن الاستعانة بها للنهوض بهذا الوطن المجيد؟
   من المعلوم أن المغرب يتوفر على موارد معدنية هامة،فهو ثاني منتج للفوسفات  في العالم وأول مصدر له، كما يتوفر على ثلاثة أرباع الاحتياطي العالمي، وتقدر نسبة اليورانيوم الممكن استخراجها من الفوسفات المغربي بستة ملايين طن وهو ما يعادل ضعف المخزون العالمي المكتشف حاليا، وتقدر المساحة الصالحة للزراعة في المغرب ب 95000 كيلومتر مربع تستعمل لزراعة كافة المنتجات الفلاحية والزراعية،هذا بالإضافة إلى توفره على شريطين ساحليين يبلغ طولهما 3500 كيلومتر مربع صالحة للصيد البحري،كما يعتبر قبلة هامة للسياحة الخارجية و الداخلية بالإضافة إلى العديد من المصادر والموارد الأخرى،لكن بالرغم من كل المقومات الثرواتية بهذا الوطن الحبيب إلا أن المستفيدين منها لا يظهر لهم أثر،فالمجتمع برمته يعاني ويلات القهر الاجتماعي والسياسي الدمث، وخاصة أبناء المفقرين من فلاحين دون أرض وعمال وتجار صغار،حرفيين ومعطلين. فالبطالة تنهش الجسد الشعبي لفائدة صناع القرار،فابن الشعب يعاني الأمرين،البطالة والفقر و التهميش و القمع في كل زمان ومكان ،الفلاح في قريته يعاني غلاء المعيشة، شأنه شأن العامل والحرفي  بالمدن الصغرى أو الكبرى،المعطل أمام قبة البرلمان،الطالب في جامعته او بالأحرى داخلها من نقطة اقصائية واستغلال،واقتحامات لقوى الأمن،واعتقالات بالجملة في صفوف الطلبة المطالبين بحقهم في العيش الكريم والتمدرس الجيد وكذا المحاكمات الصورية لطلبة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب منذ مرحلة التأسيس إلى الآن، خاصة الطلبة الناشطين من داخل اليسار الجدري بكل المواقع الجامعية المغربية، ولعل الحرب الشرسة التي شنت على هؤلاء كان لها آثار سلبية على نفسيتهم وعلى باقي أفراد عائلاتهم بفعل الملاحقات والاقتحامات و الاعتقالات والتحقيقات الرهيبة بالمعتقلات السرية آنذاك، من قبيل المعتقل سيء الذكر درب مولاي الشريف الذي كان بمثابة فضاء التعذيب بمحاكم التفتيش،وكذا المحاكمات الصورية التي أدت إلى وفيات بالجملة لخيرة شباب ابناء الوطن، من قبيل سعيدة المنبهي المناضلة المراكشية الماركسية اللينينية رمز المرأة المغربية المناضلة التي تعتبر أول شهيدة عربية في إضراب عن الطعام دفاعا عن الحق، والتي  اختطفت سنة 1976 واحتجزت بالمعتقل السري درب مولاي الشريف، بالدار البيضاء، يوم 16 يناير بمعية ثلاث مناضلات مكثن بذات المعتقل لمدة ثلاث أشهر، وهناك تعرضن للتعذيب الجسدي والنفسي قبل ترحيلهن إلى السجن المدني بالدار البيضاء، وبعد خوضها لمعركة الاضراب عن الطعام المفتوح ابتداء من يوم 8 نوفمبر 1977 وبلغت يومه الـ 34 للمطالبة بالاعتراف بصفة المعتقلين السياسيين وتحسين ظروف الاعتقال وفك العزلة، وهو الإضراب الذي دام 45 يوما، نقلت في يومه الرابع بعد الثلاثين إلى مستشفى ابن رشد بالدار البيضاء يوم 11 دجنبر 1977 لتفارق الحياة هناك بسبب الإهمال،ونفس المصير لاقاه عدد كبير من الطلبة المتعطشين للحرية والكرامة و العدالة الاجتماعية وعلى رأسهم مصطفى بلهواري ومولاي بوبكر الدريدي الذين استشهدا بعد اضراب لا متناه عن الطعام بسجن اسفي ليتم تأبينهما خلال 1984،كما استشهد عبد الحق شباظة بعد اضراب عن الطعام دام ل64 داخل سجن لعلو بالرباط العاصمة،سنة 1988،ومن جانب آخر وفي نفس السياق دائما فقد استشهد كل من زبيدة خليفة وعادل الأجراوي تحت وطأة وابل الرصاص الحي الذي سلطه النظام على الجماهير الطلابية المنتفضة،التي اعتبرت القضية الفلسطينية بمثابة قضية وطنية وبالتالي القيام بانتفاضة طلابية اعلانا عن تضامنها المبدئي واللامشروط مع انتفاضة الشعب الفلسطيني وكان ذلك في 20 يناير 1988،لكن مسلسل الاعتقالات و التصفيات الجسدية للطلبة المطالبين بالتحرر لم يتوقف عند هذا الحد بل تجاوزه إلى تواطؤ النظام مع قوى الحركات "الاسلاموية "التي أدت إلى اغتيال المعطي بوملي بوجدة 1991 وايت الجيد محمد بنعيسى خلال سنة  1993 بمدينة فاس.
   جدير بالذكر أن المسلسل التصفوي لخيرة أبناء الشعب لم يتوقف عند هذا الحد بل استمر ليومنا هذا من خلال المطاردات والتطويق والاقتحامات  والاعتقالات الهوليودية لناشطي حركة 20 فبراير ومناضلي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب،بداية من شهداء الحسيمة الذين قضوا احتراقا،وعلى رأسهم جعفر نبيل و كمال العماري و كمال الحساني الذين فارقا الوجود بعد تعرضهم لاعتداءات جسدية بليغة،وبموازاة ذلك فالحملة المسعورة على مناضلي اليسار الجدري بمختلف ربوع الوطن المكافح،و المتمثلة في الاعتقالات السياسية التي طالت مناضلي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بمختلف المواقع الجامعيةالصامدة(مراكش،ظهرالمهراز-فاس،تازة،مكناس،أكادير،تطوان،الحسيمة،موقع القنيطرة)الذي ركزت حوله كل العيون خلال السنوات الأخيرة و خاصة خلال هذه السنة التي تميزت بكفاح مستميت منذ بداية الموسم الجامعي على خلفية جملة من المطالب و على رأسها ملف الماستر المؤطر بشعار "الماستر حق الجميع"و الذي لا زال يرفرف داخل الحرم الجامعي ليومنا هذا رغم العسكرة الرهيبة التي شهدها الموقع والمضايقات و الملاحقات المستمرة للطلبة المجازون ومناضلي"أوطم،" بعد المداهمة العنيفة لحرم جامعة ابن طفيل يوم الاثنين 20 يناير2014 صباحا و التي اعتقل على اثرها 26 طالبا وطالبة، ليتم الاحتفاظ ب 4 مناضلين وهم:(اسماعيل الاحمر،عبد الرزاق اجقاو،عبد الرحيم التاويل، زكرياء الرقاص واطلاق سراح البقية بعد المضايقات و الترهيب،ليتم بعدها اضافة "كريم بوسعدان" بعد أن القي عليه القبض أمام المحكمة الابتدائية للقنيطرة، خلال مشاركته في الوقفة التي نظمها مناضلي "أوطم" بمعية الطلبة المجازون،للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين الأربع،و للتذكير فإنه بعد المحاكمات الصورية التي أجريت داخل نفس المحكمة،تم الحكم على المناضلين الخمس بثمان أشهر سجنا نافدا مع غرامة مالية قدرها 1000 درهم،وهم الآن في طريق الاستشهاد بحكم الوضع الصحي الكارثي الذي يعيشونه(عدم اـقدرة على المشي والكلام ، تقيؤ الدم ، انخفاض الضغط ،الانخفاض المهول في الوزن)،بعد خوضهم لإضراب لا محدود عن الطعام منذ 9 فبراير مع الاضراب عن الماء والسكر بداية من يومه  الجمعة 14 مارس 2014،نظرا لسياسة الآذان الصماء التي تنتهجها كل الجهات المعنية اتجاه الاستجابة لمطالبهم الشرعية و المشروعة والمتمثلة في السكن والمنحة والماستر. وفي ذات السياق فإن الطلبة المجازون بمعية مناضلي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب يعتزمون الخوض في معارك انتحارية من قبيل المحارق الجماعية و نصب المشانق الجماعية بفضاء الكلية في حالة عدم الاستجابة الفورية لمطالبهم التي كافحوا من أجلها منذ انطلاق الموسم الجامعي الجاري.
   ختاما نشير إلى أن هذا السرد القاصر لبعض الاحداث الجاري بها العمل من داخل المغرب في ظل زمن يتغنى "صانعوه " بالحرية والمساواة والكرامة والعدالة الاجتماعية،ليساهم بشكل مباشر في انكسارات وشروخ سيكولوجية عميقة في صفوف  الشباب المغربي المكافح الحالم بغد أفضل وبمغرب مزدهر،كما يمكن القول أن غياب الإرادة السياسية الجادة يكرس لمنطق تهميش الطاقات الشابة التي من شأنها الدفع بقافلة التنمية البشرية والاجتماعية الحقيقية إلى الامام،وكذا الدفع بها إلى غياهب السجون ومستنقع الدعارة والاجرام والانزياح عن سكة التحليل المنطقي للأمور.     

** باحث في الفلسفة و علم الاجتماع
 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *