,

التراتب الاجتماعي بالمغرب بين السلطة و التغير الاجتماعي والتنمية البشرية

 بديهي و موضوعي أن اهتمام علماء الاجتماع بعملية التراتب الاجتماعي  لم يـأتي من فراغ و إنما جاء كنتيجة لمحاولة وصفهم لأوضاع اللامساواة الحاصلة بين الأفراد والجماعات في منظومة المجتمعات البشرية، وتجدر الإشارة إلى كون التراتب الاجتماعي يطال مختلف جوانب  الحياة الاجتماعية للأفراد،وهذا ما اهتمت به أدبيات علم الاجتماع.إذن ما طبيعة هذه الجوانب ومن هم الرواد الذين اهتموا بمسألة التراتب وما علاقته بقضايا التغير الاجتماعي والسلطة وتنمية أوضاع الناس؟

مما لا شك فيه أن اهتمام علماء الاجتماع بالتراتبات الحاصلة بين أفراد المجتمع قد جاء نتيجة للتفاوت الذي شهدته مجتمعات القرن التاسع عشر، وما قبلها ولا سيما مع المدرسة الماركسية التي اهتمت بقضية التراتب ولا سيما فيما تعلق منها الاجتماعية وتصارعها والتي عادة ما عرفت بكونها جماعة من الناس تتشابه في علاقتها بوسائل الإنتاج ويمكن القول أن الطبقة اعتبرت بمثابة مجتمع مصغر أو جهاز عضوي وآلة للعمل والوحدة والاندماج كما يمكن القول على أنها تمارس ضغوطا وتمارس عليها كذلك ومن باب التذكير نشير إلى كون الطبقات لم توجد إلا مع ظهور الملكية الخاصة والتي كرست لمبدأ التمايز بين الناس من خلال ثنائية طبقة تملك وسائل الإنتاج وأخرى محرومة من ذلك، بمعنى تشييد صرح الهرمية الاجتماعية والذي أدى بدوره إلى إفراز جملة من التطاحنات وارتفاع اللامساواة الاقتصادية وتكريس الصراع الطبقي والاجتماعي الذي وسم السير العادي لركب التطور البشري عبر العصور.

لقد كانت المرحلة ما قبل الصناعية تتميز ببروز طبقتين اجتماعيتين أولاهما ملاك الأرض من أرستقراطيين ونبلاء ومالكي العبيد، وثانيهما الطبقة المساهمة في الإنتاج والمتشكلة من عمال السخرة و العبيد والفلاحين الأحرار أما المرحلة ما بعد الصناعية فتميزت كذلك بظهور طبقتين اثنين واحدة مالكة لوسائل الإنتاج ويتعلق الأمر بالصناعيين و الرأسماليين وأخرى تابعة أو مستغلة و هي طبقة العمال أو البروليتاريا.والعلاقة التي تجمع بينهما هي علاقة استغلال من طرف الرأسمالي أو مسألة الإفقار أو الإعواز على حد تعبير كارل ماركس، ويمكن القول أنه ركز على هاتين الطبقتين مع عدم تعريفه للطبقة أو التراتب الناتج عنها انطلاقا من مصدر الدخل أو الوظيفة للأفراد مخافة تقسيم المجتمع إلى عدد لا متناه من الطبقات.وهنا نشير إلى كون ماكس فيبر انطلق في تحليله لمقاربة التراتب الاجتماعي من الأرضية الماركسية لكنه أضاف إليها تعديلات كبرى من قبيل اعتباره المجتمع يتميز بالصراع من أجل القوة والموارد،لكنه يعتبر أن التراتب الاجتماعي لا يقوم على الوضع الطبقي فقط وإنما ينبني على أساس المكانة الاجتماعية والحزب والتي تم إدراجها في ثلاث تمايزات اجتماعية منتظمة ومسترسلة شريطة أن تقوم على مبدأ الديمومة و حتمية التراتب والتمايز والمرتكزة أساسا على متغير الجنس والسن والانتماءات العرقية،الخصائص اللغوية،المحددات الثقافية…و هلم جرا.

ومن جانب آخر نجد البنيوية الوظيفية تعتبر أن المجتمع نظام شديد التعقد تعمل كل أجزاءه سويا قصد تحقيق الاستقرار والتضامن بين مكوناته،كما اعتبرت التراتب بمثابة عامل من عوامل تدعيم النسق الاجتماعي لا للقضاء عليه و تحطيمه.ولكي لا نطيل الحديث فيما هو سطحي آن لنا أن ننتقل إلى الحديث عن علاقة التراتب الاجتماعي بالتغير الاجتماعي والسلطة وتنمية أوضاع الناس. .

بادئ ذي بدء يمكن القول أن المجتمع هو مجتمع طبقي بامتياز،يستند في سيره العادي على حتمية الطبقة والتراتبات الاجتماعية المنبنية أساسا على الاستحواذ عن السلطة أوالثروة،وهذه الصراعات تساهم في غالب الأحيان وبشكل واضح ورئيسي في خلق دينامية التغير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وما يبرز ذلك هو الطرح الماركسي القائل بكون حوافز التغير الاجتماعي تتمثل بالدرجة الأولى في المؤثرات الاقتصادية وكذا الصراع بين الطبقات والذي يعتبر بمثابة محرك للتاريخ أو كما قال ماركس:”ان التاريخ البشري برمته حتى الآن هو تاريخ الصراعات بين الطبقات”.هذا وقد ركزت التحاليل الماركسية على مسألة التغير الاجتماعي من خلال انتقال المجتمعات من نمط إنتاج إلى آخر تدريجيا أو عن طريق الثورات بسبب الفوارق الحاصلة في اقتصاد تلك المجتمعات.

وفي المقابل نجد ماكس فيبر يعتبر الآراء والقيم لها ما لنظرية الصراع من تأثير على التغير الاجتماعي باعتبار أن الدوافع والأفكار البشرية بإمكانها أن تساهم في عملية التغير الاجتماعي.

يبدو أن المنظور الفيبري يكتسي طابعا من المعقولية ومرد ذلك إلى كون بعض القيم منها على سبيل المثال لا الحصر القيم الدينية كالمسيحية البروتستانتية التي كان لها دور كبير في تشكل الرأسمالية .وكذا بعض القيم الإيديولوجية والتي غالبا ما تؤدي إلى تشكيل بعض البنى السياسية،ففي المغرب مثلا أدت جمعية حركة لكل مواطن إلى تشكيل حزب العدالة والتنمية والذي كان له دور كبير في تغيير الخريطة السياسية للبلا وقلبها رأسا على عقب، ضاربا بذلك طموحات الشعب المغربي عرض الحائط. ومن جانب آخر نشير إلى كون التراتب الاجتماعي يحمل في طياته احتكارا للسلطة من طرف طبقات معينة سواء ما تعلق بالطبقة المخملية والمتمثلة في القادة سواء تعلق الأمر بالملك أو الرئيس أو حتى قادة الأحزاب السياسية باعتبار الحزب يمارس تأثيرا كبيرا في مسألة التراتب الاجتماعي،هذا بالإضافة إلى ما يعرف بالمجتمع المدني والذي يعمل بدوره على التحكم في زمام أمور السلطة والوقوف ندا أمام هيمنة الدولة،ويضاف إلى ذلك هيمنة الطبقات المالكة لوسائل الإنتاج على بعض السلط. حتى وان كانت متعلقة باحتكار السلع أو الرفع من أسعار المبيعات وهلم جرا…

أما علاقة التراتب الاجتماعي بالتنمية البشرية فهي علاقة تجاذب وتنافر وسبب ذلك راجع إلى كون الاختلافات والتمايزات الحاصلة بين شرائح المجتمع، فمثلا إذا حاول الرأسمالي إقامة مشروع صناعي معين فهو حتما سيساهم في إنعاش وتحريك دواليب الشغل لدى الطبقات المقهورة اجتماعيا،لكن الإشكال الذي سيطرح هنا وبدون منازع هو استغلال تلك الطبقة عضليا بأبخس الأجور بمعنى أن المشاريع التنموية في ظل الاستغلال الفاحش من طرف أربابها للشغيلة  سيساهم في عدم تحقيق التنمية وهنا سنشير مثلا إلى المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بالمغرب التي ابتدأت منذ مدة قصيرة واكتسحت كل النطاقات الجغرافية، لكن خلال هذه الفترة الوجيزة لم يكتب لها النجاح و هذا راجع إلى عامل التطاحن الطبقي وغياب الرقابة والحكامة في هذا البلد المصون.إذن كيف يمكن تحطيم جدار التفاوت الطبقي وتحقيق التنمية البشرية ولو نسبيا؟

**القنيطرة المغرب

 

One Comment

Leave a Reply

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *