in ,

احتجاجات الشارع.. ثقل الكلمات وحقيقة الواقع

الأحداث التي تعرفها بعض المدن الصغرى والمتوسطة، التي تعتبر في الحقيقة امتدادا للعالم القروي، تعبير قوي عن التحولات التي يشهدها النسيج الاجتماعي المغربي،

والتي تتطلب اعتماد نسق وأسلوب جديدين في تدبير شؤون البلاد؛ فقد أصبحت هذه الحواضر، ومنها آسفي وصفرو وسيدي إفني والعرائش وتازة وبني ملال، تشكل في الوقت الراهن مصدر قلق على استمرارية النظام السياسي، إذ أصبحت حجر الزاوية في التظاهرات الاحتجاجية التي عرفتها البلاد في الآونة الأخيرة.
ويبدو أن التنظيم الدولتي على الطريقة المخزنية، المعتمد على الشيخ والمقدم والخلفية، وكذلك نظام الأعيان، القائم على توظيف خماسة ورباعة، صارا غير قادرين على مواجهة هذه الاحتقانات وإنهاء أجواء الاستياء المخيـِّمة. المجتمع برمته يشهد مرحلة تحوُّل أساسي على مستويي السلوكات والعقليات.
كان المجتمع المغربي، عندما أصدر الكاتب ريمي لوفو في ستينيات القرن الماضي كتابه «الفلاح المغربي المدافع عن العرش»، قرويا بالأساس، ولم يكن حينها معرضا بقوة لموجات الحداثة. ولا يمكن نفي هذا الأمر رغم الثقل الذي كانت تتمتع به بعض المدن وقتها، مثل الرباط وفاس ومكناس ومراكش وطنجة، ولا حتى الدار البيضاء، بوصفها العاصمة الاقتصادية للبلاد.
كان سكان القرى في تلك الفترة يمثلون 70 في المائة من إجمالي السكان، وكان الإقطاعيون والأعيان يبسطون سيطرتهم على العالم القروي. أكثر من ذلك، كان هؤلاء أنفسهم يتولون تأطير القرويين مقابل الاستفادة من دعم الدولة في المناطق التي يوجدون بها، فكانوا بذلك أكبر المستفيدين من السياسة الزراعية التي أنتهجتها الدولة في تلك الفترة. وفي المقابل، تمكنت السلطات بفضل هذا الدعم من عزل القوى التقدمية في المدن، ومن ثمة فرض ملكية مطلقة على البلاد.
غير أن هذا النسيج المجتمعي التقليدي، الذي كان خاضعا للتحكم المخزني، عرف في أواسط سبعينيات القرن الماضي تشققات وتحولات، فاعتبارا من هذا التاريخ وجد المغرب نفسه في مفترق طرق على المستويين الاقتصادي والسياسي. وكانت الأزمة المالية الناجمة عن تراجع أسعار الفوسفاط في الأسواق الدولية والارتفاع الصاروخي لنفقات الدولة عقب استرجاع الأقاليم الصحراوية، ثم برنامج التقويم الهيكلي لسنة 1983، عوامل فرضت على المغرب الدخول في مرحلة طويلة من التقشف المالي. لقد كانت تلك الأزمة مؤلمة، ولكنها أسهمت في إحداث تغيير على مستوى العقليات. ودفع تراكم عوامل اقتصادية وثقافية ونفسية وأخلاقية المجتمع المغربي إلى التخلي تدريجيا عن نظام الأسرة الممتدة، وهو ما أفضى إلى حدوث تغير على مستوى السلوكات، حيث تراجع معدل الخصوبة من 7.4 أطفال قبل أزمة 1975 إلى 4.4 فقط في سنة 1987، ثم واصل الانخفاض إلى أن استقر في الوقت الراهن في حدود 2.2.
ومما ميـّز سنوات الأزمة إدماج المرأة في سوق الشغل، إذ فرض تقلص هامش خلق مناصب في الوظيفة العمومية وتدني القدرة الشرائية على الأسر البحث عن موارد أخرى للدخل. وسجل تأنيث اليد العاملة بدوره ارتفاعا ملحوظا, ففي سنة 1960، كانت 10 في المائة فقط هي نسبة النساء العاملات المتراوحة أعمارهن بين 20 و34 سنة، في حين قفزت هذه النسبة إلى 35 في المائة في سنة 1995. هذا التأنيث أسهم بدوره في تخفيض معدل الخصوبة، بالإضافة إلى تراجع نسبة الأمية في صفوف النساء ابتداء من سبعينيات القرن الماضي. وتبين آخر التحقيقات الميدانية تنامي ظاهرة استقلال النساء بذواتهن وتزايد مشاركتهن في صناعة القرار، حتى إن الزوج لم يعد يحتكر سوى 9 في المائة فقط من القرارات داخل المنزل، وفق التحقيقات نفسها.
وإذا كان النمو الديمغرافي يتراجع، فإن المجتمع ينفتح. وقد تراجع أيضا انتشار الزواج التقليدي، الذي كان يشجع زواج الأقارب من أجل تكثير نسل الأسرة؛ فهذا النوع من الزواج، الذي كان يؤدي إلى انغلاق العائلات على نسفها، آخذ في ترك مكانه للانفتاح على الآخر. غير أن ثلث النساء ونحو 42 في المائة من الرجال المناهزة أعمارهم ثلاثين عاما لا يزالون عزابا. وقد أعيد النظر أيضا في نمط التوزيع التقليدي للصلاحيات داخل الأسرة، ولاسيما تحكم الأب في الأبناء وقدرة الزوج على فرض إرادته على الزوجة. تعايش أبٍ أميٍّ (دون الحديث عن مستوى الأم التعليمي الذي غالبا ما يكون أقل من مستوى الأب) وأطفالٍ ذوي تربية حسنة بات مصدر إزعاج. كما أن الفتيات صرن ينتفض شيئا فشيئا ضد سلطة الأخ عليهن وإن كان أقل منهن تعليميا.
ولا يتوقف الانتفاض ضد السلطة عند أعتاب الأسرة، بل يمتد أيضا ليشمل الفرد الذي أصبح يطرح تساؤلات عن سلطة الحكومة وصلاحيات القادة السياسيين وجميع من يتحمل مسؤولية في تدبير الشأن العام. وفي هذا السياق، فطن المواطن أخيرا إلى أنه لا يمكنه الاعتماد سوى على مبادرته وموارده الخاصة، وليس على الدولة، لإعادة توزيع الثروة.
وفي هذا الإطار، دخل العالم القروي في مرحلة عدم استقرار لا أحد يمكنه أن يتكهن بالمجرى الذي ستأخذه طالما أن هذه الدينامية أفلتت من قبضة أولئك الذين ألفوا التحكم في العالم القروي في فترات خلت. إجمالا، لقد فعل الزمن فعلته، وأضحى سكان القرى لا يتجاوزون حاليا 40 في المائة من إجمالي السكان، فمعظمهم توجه في السنوات الماضية نحو الحواضر، خصوصا المدن الصغرى والمتوسطة، وبالتالي أصبح المجتمع المغربي حضريا، أكثر انفتاحا وأقل انغلاقا، أكثر مبادرة وأقل توكلا على المساعدة، أكثر طموحا وأقل استسلاما، أكثر تمردا وأقل عدائية، أكثر استقلالية وأقل تبعية، أكثر تطلبا وأقل سلبية. المجتمع المدني أيضا يتهيكل ويفرض نفسه على أرض الواقع، والرأي العام صار أكثر حضورا من السابق، والروح الوطنية تنبعث من جديد.
يتعلق الأمر بوضعية جديدة تفرض إعادة التفاوض بشأن تحالفات جديدة بين نظام تقليدي والفضاءات الاجتماعية المتجددة. ويندرج الخطاب الاحتجاجي لهذه المدن (تازة وبني ملال وغيرهما) في سياق لا علاقة له بالظرفية التي طبعت العقود الأربعة الأولى من الاستقلال. وقد فقد المخزن التقليدي أرضيته الاجتماعية ولم يعد بإمكانه إدارة ظهره للحداثة، لأن السكان لا يمكنهم أن يتولوا مسؤولية مصيرهم ديمغرافيا واقتصاديا ويتركوا آخرين يحسمون في مصيرهم السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أوربا تتخلص من نفاياتها في آسفي ومطالب بإلغاء الترخيص

غيريتس «يهاجم» المدربين المغاربة